القاضي عبد الجبار الهمذاني
248
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وإنما قلنا : إنه لا بدّ منها ، لأن المعارضة لو ثبت أنها وقعت وحصلت لم يمكنا أن نبين أن القرآن معجز ؛ بل كان لقائل أن يقول : إذا شاركوه فيه ، وأمكنهم أن يأتوا بمثله فهو بمنزلة سائر الأفعال ، التي جرت العادة بالاشتراك فيها ؛ فلو دل على النبوّة لدل سائر الأفعال عليها . ولقائل أن يقول : إذا لم يثبت أنهم لم يعارضوه لتعذره ، إنما كان يدل على النبوة لو لم يمكنهم المساواة ؛ فأما إذا أمكنهم ذلك ، وعدلوا عنه لوجه من الوجوه : لإعراض ، أو لشبهة ، أو لإيثار ما هو أولى عندهم عليه ، فمن أين أنه معجز ؟ فلا يمكنه مع ذلك إثبات دلالته . . ولقائل أن يقول : متى لم يبين أن تعذره لما له من المزية ؛ إنما تعذر ذلك عليهم لأن العادة قد جرت في الأصل أن ذلك قد يتعذر على بعض ، ويختص به البعض ؛ أو يمتنع على قوم دون قوم ؛ أو لأنه ، صلى اللّه عليه ، تعمل له مدة من الزمان ؛ وصبر عليه ، فلذلك تعذر عليهم ، إلى غير ذلك مما يذكره في هذا الباب ؛ لأن قائلا لو قال : إنما تعذر عليهم لمنع عرض لخرج القرآن ، من أن يكون معجزا ، وكان المنع يحصل معجزا ؛ على ما قدّمنا ذكره ؛ فلا بد من تثبيت هذه الدعوى . ولقائل أن يقول : إنه تعذر عليهم لما له من المزية ، لكنها لا تبلغ قدرا ينقض العادة ، بل هي مقاربة لما جرت العادة بمثله ، حتى لا يكاد يتميز عنه ، فمن أين أنه معجز ؟ فلا بد من بيان ذلك . ومتى بين صحة الجميع زالت الشبهة أجمع لأنه لا شبهة تذكر في هذا الباب إلا وهي داخلة في إحدى هذه الدعاوى ، التي ذكرناها .